fbpx
  • الثلاثاء , 29 سبتمبر 2020

طعم البيوت – عبد الرحمن الطويل

طعم البيوت – عبد الرحمن الطويل دنانير

Summary:

قيِّم الموضوع بواسطة النجوم

User Rating: 0 (0 votes)

عبد الرحمن الطويل

حين يُهدَم بيتٌ في منطقتي أشعر أن حقبةً مني قد انقضت، جزءًا من ذاكرتي البصرية مُحي وانزوى في رُكن مظلم من التاريخ، يُزاحمُ أحداثه المتلاحقة والمتكاثرة لأنظُر أيبقى أم يمحوه ما هو أهم منه وأعلق بنفسي!

مررتُ اليوم ببيت يُهدم على ناصية شارعين جانبيين، لم يكن متهالكًا ولا قديمًا، لكنّ المال اشتراه وحاجة المال باعتْه.

كان بيتًا من ثلاثة طوابق، على ملتقى شارعين جانبيين، قريبًا من أهم مسجد في المنطقة كنا نأوي إليه في رمضان وفي سائر السنة.

في أسفله ثلاثة دكاكين، الأول منها كان صيدلية يديرها صيدلي طريف، كنتُ آتيه وأنا طفل فيمازحني ويبدع أساليب الحوار معي، حتى ألفتُه وصرتُ أنا من يفتح الحوار معه، وكان أن أتيتُه مرة مع أبي فما لبثنا أن فتحنا حوارنا وأبي عجِب، يسألني متى وكيف عرفتُه حتى أخاطبه بهذه الطريقة.

ومما أذكره له أنني أُرسِلتُ وأنا طفل برُشتَّة لأحد أفراد أسرتي فيها مُهدّئ، فادّعى عدم وجوده حتى لا يُسلمه إلي، وزميله لا يفهم ويُذكّره أن الدواء موجود.

الدكان الثاني كان محلًا لبيع الأدوات الكهربائية، يجلس فيه مُسنٌّ وزوجُه، وقد يجتمع إليهما غيرهما من المُسنين فتكتمل ندوتهم أربعةً أو خمسةَ نفر.
نادرًا ما كنتُ أشتري منه، ونادرًا ما كنت أرى غيري يشتري منه، لكني أذكره جيدًا، كنتُ كثير المرور عليه في ليالي الشتاء، والشيخ والشيخة ملتحفان بطِباق الصوف ساجيان خاشعان يسمعان أم كلثوم في موعدها الليلي المقدس، الحادية عشرة.

الدكان الثالث كان بقالة يملكها رجل داخل في السن – يبدو أنه كان موظفًا – فيغلقها نهارًا ويفتحها ليلًا، وقد يغلقها أيامًا .
كنا في الإبتدائية أحداثًا فراغًا نشغل أنفسَنا بأي شيء يُقال وأي خبر يشيع، ذات نهار شاع بيننا أن ابنة هذا الرجل ماتت، وأخذ بعضُنا يُخبر سائرَنا الخبر – لتَّ أطفالٍ تعلموه من أمهاتهم حين لا يجدن شيئًا يُقال فيخُضنَ في أي حديث.

لا أذكر شكل ابنته تلك ولا أذكر أني رأيتُها، لكني رأيتُ الرجل بعد ذلك حزينًا أبدًا، ثم أغلق دكانه هذا منذ زمان بعيد، ولم يَخلفه عليه أحد.

اليوم يرتدي البيتُ ثيابَ الجراحة وقد بُتر أكثرُه، وغدًا يستوي بالأرض لينتأَ مكانَه برج لا ينتمي إلى ذاكرتي، ولا ينتمي إليه أحد ممن سيسكنونه فلا يعرف بعضهم بعضًا.

لكن ليس كل بيت يُهدم يُمسك منك بطرف، كان بيتٌ آخر ليس لي مع دكاكينه ذكر، لكن يسكنه صاحب لي أقابله كل يوم تقريبًا، وكان البيت ملك أسرتِه، ثم باعوه بعد أن اقتنوا بيتًا آخر في حي أرقى، ورفعه المشتري برجًا، وجدّت عليه ساكنة ودكاكين، وانقطعت صلتي بهذا الصاحب بالتدريج بعد هجرته إلى موطنه الجديد، لم أجد في نفسي لهذا البيت شيئًا لأن أهله هم الذين ذهبوا به، ولم يكن فيه من الشعر والقصص ما كان في دكاكين البيت الآخر، كان مُصمتًا مِن خارج غامضًا مِن داخل، حجارة ركِبتها حجارة، فهو اليوم إلى شأنه لا أعرفه ولا أنكره.

تغيَّرَ المشهدُ كثيرًا وعلَت عمائر جديدة لا أساس لها في النفس، أنفخ فيها فتسقط، وفُتحت متاجر متشابهة كأكشاك محطات القطارات، يبقى الواحد منها شهورًا، أو عامًا، ثم يَخلفه غيره، أمر به وأنظر إليه ولا أعرف ما يبيع ولا المعلق على رفوفه!

صارت أحجار (الدُّمَنَة) كلها بلاطة، لا ترى فيها دُشًا ولا دبَشًا.

مقالات ذات صلة

error: Content is protected !!